أزمات أمنية.. "أفغانستان إنترناشيونال": 6660 قتيلاً خلال أربع سنوات في عهد طالبان
أزمات أمنية.. "أفغانستان إنترناشيونال": 6660 قتيلاً خلال أربع سنوات في عهد طالبان
خلال ما يقارب أربع سنوات من حكم حركة طالبان، تتكشف صورة أمنية مغايرة تماماً لما تروجه الحركة عن فرض الأمن الشامل في أفغانستان. أرقام رسمية صادرة عن مؤسسات تابعة لطالبان نفسها تشير إلى مقتل 6660 شخصاً تحت تصنيف الجرائم الجنائية، في وقت تتصاعد فيه عمليات القتل والسرقة والاختطاف، وتتراكم شهادات مواطنين يعيشون واقعاً يومياً مشبعاً بالخوف وعدم اليقين.
شهادات من الميدان
بحسب ما أفادت به شبكة "أفغانستان إنترناشيونال"، فإن الوقائع الميدانية التي جرى توثيقها خلال السنوات الأخيرة تكشف عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي لطالبان والواقع الأمني على الأرض في أفغانستان، حيث تتكرر الحوادث الدامية في مدن وولايات عدة، وسط اتهامات للحركة بالتقصير في التحقيق والمساءلة.
في مطلع شهر يناير الجاري، قُتل محمد شاه أميري، وهو شاب يبلغ من العمر 24 عاماً وينتمي إلى الطائفة الإسماعيلية، أثناء عودته من عمله إلى منزله في مدينة فيض آباد بولاية بدخشان. كان يعمل موظفاً في شركة أفغان وايرلس ويقيم في منطقة دشت قرق على ضفاف نهر كوكجه، وتعرض لكمين في أحد الأزقة، حيث أطلق مسلح النار عليه من مسافة قريبة، فأصيب برصاصة اخترقت رأسه من الخلف إلى الأمام.
بعد إطلاق النار، بقي محمد شاه يتنفس لبضع دقائق وهو ملقى على الأرض، قبل أن ينتبه طفل قريب من المكان ويهرع لإبلاغ السكان، ورغم وصول عناصر الاستخبارات التابعة لطالبان إلى موقع الحادث بعد وقت قصير، فإن نقله إلى المستشفى تأخر، ما أدى إلى وفاته في الطريق قبل أن يتلقى أي إسعاف فعلي.
اغتيالات متكررة بلا تحقيق
لم تُعرف حتى الآن الجهة المسؤولة عن مقتل محمد شاه أميري، غير أن الحادثة لم تكن معزولة. ففي 22 يناير تعرض مواطنان آخران من الطائفة الإسماعيلية لإطلاق نار داخل متجر يبعد نحو خمسين متراً فقط عن مكان مقتل محمد شاه، وهما من أقاربه، ويؤكد سكان محليون أن طالبان لم تجرِ تحقيقات جدية وشاملة في هذه الجرائم، معتبرين أن أفراد الطائفة الإسماعيلية يتعرضون منذ عودة الحركة إلى الحكم لعمليات اغتيال ممنهجة في ولاية بدخشان.
تعالج إدارة طالبان قسماً كبيراً من هذه الحوادث ضمن ما تصفه بالجرائم الجنائية. وتظهر وثائق صادرة عن إدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لحركة طالبان أن الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025 شهدت تسجيل نحو 6660 جريمة قتل جنائي، وتوضح الوثائق أن طالبان سيطرت على الحكم في أغسطس 2021، وأن الجرائم المسجلة بين مارس ويوليو من ذلك العام وقعت في عهد الحكومة السابقة.
جرائم في تصاعد مستمر
رغم التأكيد المتكرر من مسؤولي طالبان لفرض الأمن في أفغانستان، فإن الإحصاءات الصادرة عن مؤسساتها تشير إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الجرائم، ووفقاً للبيانات المنشورة في الملف السنوي لإدارة الإحصاء والمعلومات في نوفمبر 2025، بلغ إجمالي الجرائم الجنائية بين مارس 2024 ومارس 2025 نحو 17320 جريمة، وفي الفترة من مارس 2021 إلى مارس 2022، بلغ العدد 10834 جريمة، ثم ارتفع إلى 12688 في العام التالي، ووصل إلى 16186 جريمة في عام 2023، ما يعكس مساراً تصاعدياً واضحاً بنسبة تقارب 60 مقارنة بعام عودة طالبان إلى الحكم.
تأتي هذه الزيادة رغم الإنفاق الأمني المرتفع، فقد أعلن البنك الدولي أن إدارة طالبان أنفقت نحو 96.9 مليار أفغاني على النفقات الأمنية خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية هذه النفقات في تحسين أمن المواطنين.
في عام 2024 وحده، سُجلت 1734 جريمة قتل جنائي، مقارنة بـ1673 حالة في عام 2022 و1751 حالة في عام 2023، وفي عام 2021، وهو العام الأول لعودة طالبان، بلغ عدد القتلى 1502 شخص، قبل أن يرتفع الرقم في عام 2024 بمقدار 232 حالة، أي بزيادة تتجاوز 15.
الاختطاف هاجس متصاعد
لم تقتصر مظاهر انعدام الأمن في أفغانستان على القتل والسرقة، ففي مساء 20 يناير اختطف مسلحون الطبيب محمد داود هوشمند البالغ 63 عاماً من قرب منزله في منطقة خيرخانه بالعاصمة كابل أثناء عودته من عيادته، وبعد مرور أسبوع على الحادثة، لا تزال عائلته تجهل مصيره، وسط مخاوف متزايدة على صحته بسبب معاناته من ارتفاع ضغط الدم.
وفي 18 يناير وثقت كاميرات مراقبة في مدينة مزار شريف لحظة اختطاف طفل يبلغ 3 أعوام على يد امرأة، قبل أن تعلن شرطة طالبان في ولاية بلخ العثور عليه بعد 3 أيام. ووفقاً لإدارة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، سُجلت 224 حالة اختطاف بين مارس 2022 ومارس 2025، منها 133 حالة في عام 2022 و41 حالة في عام 2023 و50 حالة في عام 2024، ورغم إعلان طالبان إنقاذ بعض المختطفين، فإن مصير عدد منهم لا يزال مجهولاً، مع ورود مطالبات بفدية مالية في كثير من الحالات.
تضاعف السرقات في المدن
تشير بيانات حركة طالبان إلى تسجيل 6225 حالة سرقة في عام 2024 وحده، مقارنة بـ4847 حالة في عام 2021 و5703 حالات في عام 2022، وكانت الحركة قد أعلنت سابقاً أن عدد السرقات في عام 2021 بلغ 3102 حالة فقط، ما يعني أن السرقات تضاعفت بنسبة تقارب 100 بعد عودتها إلى الحكم، ويؤكد مواطنون في كابل ومدن أخرى أنهم لا يشعرون بالأمان بعد حلول المساء، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي.
في تقرير نشر يوم 25 يناير، سُجل مقتل 7 أشخاص في مدينة هرات خلال أسبوع واحد فقط، شملت الحوادث مقتل مصرفي وشابين على طريق هرات كرخ وفتى يعمل بائعاً متجولاً ورجل في الحي الحادي عشر، إضافة إلى حالتي اغتيال في وسط المدينة، ويقول سكان المدينة إن طالبان غالباً لا تتخذ مواقف واضحة من هذه الجرائم ولا تجري تحقيقات فعالة، في حين يقع جزء منها خلال عمليات سرقة مسلحة.
حقيقة الأمن المعلن
يرى مسؤولون أمنيون سابقون أن حركة طالبان أقصت بعد سيطرتها على الحكم الكوادر المهنية والمدربة، واستبدلتهم بعناصر تفتقر للخبرة في مكافحة الجرائم، ويؤكدون أن المواطنين باتوا أقل ميلاً للإبلاغ عن الجرائم لإدراكهم أن ذلك لن يؤدي إلى نتائج ملموسة، كما يشككون في دقة الإحصاءات الرسمية التي يرون أنها تخضع لرقابة سياسية وإعلامية ولا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة.
منذ سيطرة طالبان على أفغانستان في أغسطس 2021، رفعت الحركة شعار فرض الأمن الشامل بعد سنوات من الصراع والهجمات الدامية، غير أن الوقائع الميدانية والإحصاءات الصادرة عن مؤسساتها، إلى جانب تقارير إعلامية وحقوقية، ترسم صورة مختلفة تتسم بتصاعد الجرائم الجنائية وتراجع ثقة المواطنين في منظومة العدالة والأمن، ويعزو مراقبون هذا التدهور إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب غياب مؤسسات أمنية وقضائية مستقلة قادرة على فرض القانون وحماية المدنيين. وفي ظل استمرار هذا المسار، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة طالبان على الانتقال من خطاب الأمن إلى واقع يشعر فيه الأفغان بالأمان الحقيقي في حياتهم اليومية.










